قيم التخلف: الهدْر

0
664

علي حسين عبيد

الهدر قيمة من قيم التخلف، تنتشر في المجتمعات ذات الوعي الجمعي المتدني، فالتعامل مع الطاقة الذاتية للفرد بشقيها المادي والفكري، تستدعي نوعا من التنظيم الذي يحفظ هذه الطاقة من الهدر، والاستخدام الخاطئ، لذلك يتطلب هذا الجانب مستوى جيدا من الوعي، والفهم الجيد لقيمة المحافظة على الافكار والجهود معا، علما أن الثقافة لا تعني حسن التفكير والكلام فقط، والوعي العالي لا يعني الحذر واليقظة في التعامل مع الاهداف والاشياء، إنما الثقافة والوعي عاملان متلازمان يحكمان سلوك الفرد والمجتمع، ويجعلانه أكثر قربا من النجاح والتنظيم الجيد في بناء الدولة وتنظيم عمل مؤسساتها وتطويرها نحو الافضل.
لذلك كلما كان الانسان واعيا مثقفا، كلما ابتعد عن الاسراف والتبذير وهدر الجهد والاموال معا، فيكون أكثر قدرة على بناء الذات، والمجتمع، والدولة في وقت واحد، من هنا لا يمكن أن نحصر خطورة الهدر بالجانب المادي فحسب، أي أن هدر الأموال لم يشكل سببا وحيدا لتخلف المجتمعات او العوائل او الافراد، إنما هناك هدر في الفكر والجهد المبذول في هذا المجال او ذاك، من دون تنظيم أو تخطيط، إذ يتم إهدار الطاقات في طريقة عشوائية، فضلا عن إهدار الاموال الذي غالبا ما يرافق هدرا في الافكار والجهود ايضا.
بمعنى اكثر وضوحا، غالبا ما يتسبب ضعف الوعي وقلة الثقافة، في إنعاش قيم التخلف، ومن اكثر هذه القيم ظهورا لدى اصحاب الوعي الادنى، هي قيمة الهدر المادي والفكري وحتى المعنوي، فيصبح الفرد او مجموعة الافراد، عبارة عن آلة لتدمير المادة وتبديد الجهد الفكري والمعنوي، بسبب حالة الارتجال التي أصبحت عادة لا يمكن التخلص منها، كونها جزء من مجموعة التقاليد والعادات السيئة التي اعتاد عليها الفرد ومن ثم المجتمع، لذلك في واقع كهذا، تغدو قضية الحد من هدر المال او الفكر او الجهد أمرا في غاية الصعوبة، كون المجتمع والفرد، أصبحا معتاديْن على هذا الهدر، ويتعاملان معه وكأنه حالة طبيعية، لا تعرّض المجتمع أو الفرد، الى خطر كبير غير محسوب.
هذا الخطر الذي يتولد عن قيمة الهدر، يعني إمعانا في تدمير الدولة والمجتمع والفرد معا، فعندما لا يتعامل الافراد بصورة صحيحة مع هدر الاموال والافكار، هذا سيؤدي الى صنع مجتمع لا مبالي، ولا يعبأ بالخسائر الراهنة او المستقبلية التي تطال مؤسسات الدولة أو شخصية الفرد على حد سواء، ولهذا سوف يتسع الضرر، ويتضاعف الخطر بالتراكم، خاصة عندما تتحول قيمة الهدر والتبذير والاسراف، الى عادة يعتمدها الفرد بصورة لا إرادية، لدرجة أنه لا يجد فيها ضيرا، ولا خطرا عليه!.
من الواضح لنا أيضا، أن مجموعة القيم والعادات السيئة، غالبا ما تتعاضد فيما بينها، فيعتادها المجتمع والافراد بحالة جمعية لا تسمح بالانتقاء، أي ان الاعتياد على الهدر سيؤدي حتما الى الاعتياد على التبذير والاسراف، ثم اعتماد التغاضي واللامبالاة، وعدم احترام الجهدين المادي والفكري معا، فيصبح الانسان في هذه الحالة غير واعي بالنتائج، بل لاتهمه النتائج أصلا، لأنه يتعامل مع جميع الامور وفق قيمة الهدر التي لا تراعي أي شيء أساسا، وبذلك يصبح المجتمع كله مهددا بالعشوائية والارتجال، بل ركائز الدولة تكون مهددة، بسبب عدم مراعاة الفرد لقيمة الطاقة التي يمتلكها، والطاقة هنا غالبا من تكون على نوعين، طاقة الجهدين الفكري والمادي كما سبق الاشارة الى ذلك.
لذا لابد من التنبّه الى المخاطر التي تفرزها قيمة الهدر المتخلفة، علما أن نبذ هذه القيمة لا يقتصر على الجهد الذي يبذله الفرد فحسب، بل لابد للمجتمع ومؤسساته المعنية جميعا، من معالجة هذه القيمة، والتعامل مع مخاطرها بجدية تامة ومنظمة، كذلك لابد من حضور الجهد الرسمي في معالجة مساوئ هذه القيمة، بسبب القدرات التي تتوافر للمؤسسات والمنظمات الرسمية المعنية بتطوير الدولة والمجتمع.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here